أين أشيائي؟ .. كيف تختفي الأرباح المحتجزة بسوق الأسهم في ظروف غامضة؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قديمًا قالوا: "من حكم في ماله فما ظلم"، أي من فعل فيما يملك ما يريد لم يظلم أحدًا بذلك ولا يوجد من يستطيع أن ينازعه هذا الحق، ومع أن هذا يبدو بديهيًا للوهلة الأولى إلا أنه لا ينطبق على كل الحالات، ففي سوق الأسهم مثلًا، يمتلك المستثمر الفرد نصيبه من صافي ما تحققه الشركة من أرباح، ولكنه رغم ذلك لا يستطيع وضع يده على تلك الأرباح إذا قررت إدارة الشركة احتجازها بدلًا من توزيعها.

 

 

إلى جانب الأرباح الرأسمالية الناتجة عن نمو السعر السوقي للسهم، تعد توزيعات الأرباح أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة للمستثمرين في سوق الأسهم، هذه الأرباح القابلة للتوزيع قد تقرر الشركة احتجازها كلها أو بعضها لأن الإدارة ترى أن ذلك من "مصلحة الشركة" وبالتبعية مصلحة مستثمريها، ولكنّ هناك مستثمرين يشككون في هذا الادعاء ويرون أنهم أدرى بكيفية التصرف بأرباحهم المحتجزة خاصة إذا لم يكن هناك مبرر لاحتفاظ الشركة بها.

 

أصحاب رأس المال أدرى بالمصلحة!

 

"لقد كنا صبورين جدًا معك ومنحناك وقتًا أكثر من اللازم، إن عمل هذه الشركة معقد ومتخصص للغاية ولا يملك مستثمر مثلك معرفة كافية عنه، نحن أكثر دراية منك بمصلحة الشركة ومساهميها، وإذا لم ترق لك سياساتنا فربما يجدر بك فعل ما يفعله المستثمرون العاقلون في مثل هذه الظروف وهو ببساطة بيع ما تملكه من أسهم في الشركة".

 

هكذا ردت إدارة شركة خطوط الأنابيب الأمريكية "نورثرن بيب لاين" على خطاب أرسله إليها المستثمر الأمريكي الشهير "بنيامين جراهام" في عام 1926 يطلب منها خلاله توزيع 90 دولارًا لكل سهم من الأرباح التي كان يرى أن الشركة تحتجزها دون أي سبب منطقي، مشيرًا إلى أنه لا جدوى من اكتناز الشركة لهذا الكم الكبير من الأموال.

 

"جراهام" الذي لم يستسلم عاد ورد على إدارة الشركة قائلًا "إن تحديد ما إذا كانت الشركة من الأفضل أن تحتفظ أو لا برأس المال الزائد عن احتياجها هو أمر يحدده في المقام الأول أصحاب رأس المال وليس أولئك الذين يديرونه"، في النهاية وبعد عام ونصف تقريبًا وافق مجلس الإدارة أخيرًا على توزيع 70 دولارًا لكل سهم، قبل أن يعتمد ثلاثة توزيعات أخرى على مدار العامين التاليين بلغ مجموعها 110 دولارات.

 

 

قصة الأرباح المحتجزة وكيفية التصرف فيها ليست هينة أبدًا، ويجدر بك كمستثمر في سوق الأسهم أن تنتبه إليها جيدًا، لأنها من ناحية تخص أموالاً من المفترض أنها ملكك، ومن ناحية أخرى تعطيك بعض الإشارات حول مدى كفاءة الشركة في إدارة أموال المستثمرين وتحقيق ومصالحهم ومصالح الشركة.

 

وقبل أن يسيء أحد فهم مرمى هذا التقرير، من الضروري توضيح أنه لا توجد مشكلة في الأرباح بحد ذاتها، حيث إنها تعد أحد أهم مصادر رأس المال منخفضة التكلفة التي قد تستعين بها الشركة من أجل التوسع وتطوير أعمالها، ولكن المشكلة هي أن الأرباح المحتجزة أصبحت بالنسبة لبعض الشركات غاية وليست وسيلة، ففي كثير من الأحيان تحتجز الشركات الأرباح القابلة للتوزيع دون جدوى، وهو ما يحرم المستثمر من الاستفادة من أموال من المفترض أنها أمواله.

 

حين لا يطول المستثمر هذا ولا ذاك

 

المنطق والعقل يقولان إن الشركة لا ينبغي لها أن تحتجز أرباحها إلا إذا كان لديها قناعة راسخة بأنها تستطيع أن تحقق للمستثمر، بهذه الأموال عائداً أعلى من ذلك الذي كان سيحصل عليه لو أنه أخذ تلك الأموال وأعاد استثمارها بنفسه، وإلا ما الفائدة التي ستعود على المستثمر من احتجاز تلك الأرباح وإعادة استثمارها إذا لم يكن العائد منها مرضياً أو جذاباً؟

 

لنفترض أن نصيب السهم من الأرباح هذا العام 50 هللة، في هذه الحالة إذا لم يكن لدى إدارة الشركة قناعة تامة بأنه باستطاعتها استثمار تلك الخمسين بشكل يحقق لحملة الأسهم عائداً إيجابياً فمن الأفضل لها أن ترد على الناس أموالهم وتعطيهم نصيبهم من الأرباح كاملًا ليتصرفوا فيه كيفما شاءوا.

 

 

في بعض الأحيان ترى الإدارة في نفسها الكفاءة اللازمة لاستثمار الأرباح المحتجزة بكفاءة غير أن السوق يرى غير ذلك، ففي المثال السابق، إذا قررت الشركة الاحتفاظ بالهلالات الخمسين كاملة فلن يخرج رد فعل السوق عن واحد من اثنين:

 

فإما يرتفع سعر السهم بقيمة تساوي أو تزيد على قيمة الأرباح المحتجزة في انعكاس لإيمان السوق بقدرة الشركة على استثمار هذه الأموال بكفاءة واستخدامها في إثراء مساهميها، وإما ينخفض السعر لو كان السوق يرى عكس ذلك وبالتالي قرر معاقبة الشركة على تأجيلها توزيع الأرباح، وحينها يجد المستثمر نفسه أمام مفارقة عجيبة، فعلى الرغم من أن الشركة حققت أرباحًا، إلا أنه لم يستفد منها بأي شكل، لا في صورة توزيعات ولا في صورة ربح رأس مالي.

 

باختصار، الأرباح ملك للمستثمرين ويجب أن يستردوها إما في صورة أو توزيعات أو في صورة سعر سوقي أعلى للسهم، ولذلك فإن واحدًا من أهم المقاييس التي يدقق فيها كبار المستثمرين حول العالم قبل أن يقرروا ضخ أموالهم في أي شركة هو كيفية استخدامها لأرباحها المحتجزة، للتأكد مما إذا كانت الإدارة تستخدم تلك الأموال بشكل يزيد من أرباح الشركة ومن ورائها قيمتها السوقية أم لا.

 

كيف تحسبها بالهللة؟

 

حتى لو تمكنت الشركة من استخدام الأرباح في تحقيق عائد إيجابي للمستثمرين على أموالهم، فيجب أن يكون هذا العائد مرضياً بالنسبة للمستثمرين، ويساوي على الأقل تكلفة الفرصة البديلة.

 

لنأخذ المثال التالي: في السنوات الخمس الممتدة بين عامي 2014 و2019 حققت الشركة "س" العاملة بقطاع الاتصالات أرباحًا إجمالية تقدر بـ 42.96 ريال عن كل سهم، من هذه الأرباح قامت الشركة بتوزيع 10.3 ريال عن كل سهم للمساهمين، بينما قررت الاحتفاظ بالباقي أو بـ32.66 ريال كأرباح محتجزة.

 

 

خلال نفس الفترة، ارتفعت ربحية السهم من 6.33 ريال في عام 2014 إلى 7.2 ريال في عام 2019. هذا معناه أن الأرباح المحتجزة البالغة 32.66 ريال تمكنت من زيادة ربحية السهم الواحد بواقع 0.87 ريال أو 87 هللة (7.2 ريال – 6.33 ريال). وبناء على ذلك يصبح العائد على الأرباح المحتجزة 2.6% أو حاصل قسمة الزيادة التي شهدتها ربحية السهم على إجمالي الأرباح المحتجزة (0.87 ريال ÷ 32.66 ريال).

 

السؤال الآن، هل نسبة 2.6% مرضية بالنسبة لك كمستثمر كعائد على نصيبك في الأرباح المحتجزة طوال هذه السنوات؟ المستثمر الأمريكي "وران بافيت" على سبيل المثال، يرى أن العائد على الأرباح المحتجزة يفضل أن يزيد على 15%، ولكن في أسوأ الأحوال لا يجب أن يقل عن 12% وإلا قرر صرف النظر عن الشركة.

 

اللغز .. أين تختفي الأرباح المحتجزة؟

 

في دراسة نشرتها "هارفارد بيزنس ريفيو" في يوليو من عام 1987، قامت المجلة الأمريكية بالنظر في كيفية استخدام أكبر 50 شركة أمريكية في الفترة بين عامي 1970 و1984 لأرباحها المحتجزة، اكتشفت الدراسة أن جزءاً كبيراً من الأرباح المحتجزة من قبل أكثر من نصف هذه الشركات اختفى تمامًا ولم يصل إلى جيوب المساهمين لا في صورة توزيعات ولا في صورة ربح رأسمالي.

 

على وجه التحديد أشارت الدراسة إلى أن مساهمي شركات مثل "جنرال إليكتريك" و"كوكاكولا" و"بروكتر آند جامبل" و"أمريكان إكسبريس" كانوا سيصبحون أكثر ثراءً لو أن شركاتهم قامت بتوزيع كامل أرباحها عليهم بدلًا من احتجازها، مساهمو شركة "كوكاكولا" على سبيل المثال لم يستردوا سوى 12% من قيمة أرباحهم المحتجزة!

 

 

ورغم ذلك يظل مساهمو "كوكاكولا" أفضل حالاً من مساهمي 5 شركات أخرى شملتهم الدراسة من بينهم "كوداك" و"زيروكس" لم يخسروا أرباحهم المحتجزة بالكامل فقط، بل خسروا كذلك جزءًا من رؤوس أموالهم. مساهمو "زيروكس" على سبيل المثال خسروا ما يعادل 119% من أرباحهم المحتجزة، هذا معناه أن المستثمرين في هذه الشركة خسروا 1.19 دولار عن كل دولار احتجزته الشركة من الأرباح.

 

ربما سيقفز البعض للاستنتاج بأن المفقود من الأرباح المحتجزة انعكس بالتأكيد على سعر السهم، ولكن الدراسة أتثبت عكس ذلك، لم تنعكس الأرباح المتجزة في جزء كبير من الشركات محل الدراسة على السعر السوقي لأسهمها، على سبيل المثال، ارتفع سهم شركة "جونسون آند جونسون" بمقدار 15 سنتًا عن كل دولار محتجز من الأرباح، ما الذي حدث للـ85 سنتًا الأخرى؟ ببساطة تبخرت وتبددت لأن الشركة فشلت في استثمار تلك الأرباح وربما ما كان لها أن تحتجزها من الأساس.

 

وبناء على ما سبق، ينبغي أن يكون للمستثمرين الأفراد رأي حاسم في جدوى احتجاز الشركة لأرباحها أو جزءًا منها، ولكن للأسف، لا يملك المساهمون الأفراد حولًا ولا قوة تجاه هذا الأمر، لأنه على الرغم من أنهم الملاك الحقيقيون للشركة إلا أنهم يمتلكون الشركة بالمعنى القانوني المجرد فقط، فالملكية المجزأة للشركات المدرجة بالسوق تحول دون اتخاذ المساهمين موقفًا موحدًا وهو ما يترك السلطة الحقيقية في يد الإدارة.

 

 

لذلك حتى لو رأى المساهمون أنه من الأفضل أن توزع الشركة أرباحها بدلًا من احتجازها فسيظلون عاجزين عن دفع الشركة في هذا الاتجاه، كل ما يمكن للمستثمر فعله، هو أن يحاول بقدر الإمكان تجنب الشركات التي تدير أرباحها المحتجزة بطريقة تفتقر إلى الكفاءة، وذلك حتى لا يأتي بعد سنوات ويجلس متحسرًا بينما يندب حظه ويقول: ردوا علي أموالي!

 

هذا إن أدرك أصلًا أنها اختفت، فالطريف والمدهش في آن واحد هو أن الأغلبية الكاسحة من المستثمرين لا تركز كثيرًا على مصير الأرباح المحتجزة!.

 

 

المصادر: أرقام – هافارد بيزنس ريفيو

كتاب: The New Buffettology

كتاب: The Guru Investor

أخبار ذات صلة

0 تعليق